عبد العزيز دولتشين

267

الرحلة السرية للعقيد الروسي

المسودّة والمتفسخة ؛ فأن الحجاج الذين اعدوا لأنفسهم اللحم المقدد ، قصّوا كيفما اتفق الأقسام اللينة ، ومرموا الباقي ليعترئ نظرا لوفرة اللحم . وكانت هناك بضع جيف منتفخة لخرفان بكاملها . وجميع الأماكن قرب الأسيجة كانت مغطاة بالبراز البشري ؛ وفي كل مكان ، نفايات مختلفة وزبالة رهيبة ؛ وفي كل مكان رائحة نتنة لا تطاق ، وبخاصة في جوار المراحيض العامة التي لم يطمروها بأي شيء . وقرب الحفر ، ما وراء منى ، آلاف من المواشي المذبوحة التي قد بدأت تتفسخ وتتعفن ؛ وقرب تلك الحفر التي قد امتلأت وطمروها ، تتناثر مختلف البقايا من الجيف . تلاقيت مع طبيب من الأطباء طاف راكبا في مكان ذبح الأضاحي وأمر بطمر الحفر . وقد أفادني أن أحد الحجاج أحيل إلى المحاكمة لأنه ذبح الخروف قرب خيمته ، رغم أن الكثيرين ، نظرا لنقص الرقابة هنا ، يذبحون خفية في أماكنهم لكي لا يمضوا بعيدا ولا يرتبكون البتة من الرائحة النتنة التي تنتشر فيما بعد ؛ وعلى العموم ، ينظر الحجاج بأغلبيتهم إلى هذا الطلب البسيط - ذبح الأضاحي في المكان المعين فقط - كما إلى تضييق نافل تماما ؛ ولولا القسر ، لرجعوا فورا بلا ريب إلى النظم القديمة ولطفقوا يذبحون الخرفان ويتركونها تتفسخ كما من قبل بين الخيام . ونحو مساء ذلك اليوم ، زرت بضعة من الأحواش التي ذكرتها آنفا . والحجاج يفضلونها نوعا ما ، لأنهم يغلقون الأبواب في الليل ويجدون أنفسهم بالتالي في بعض الأمان من اللصوص الذين يتجمع عدد كبير جدّا منهم في منى أملا في الاتزاز السهل ( وخاصة في حال نشوب الأوبئة ، حين يعكفون بكل حرية على السلب والنهب ) . ولكن ، نظرا للاسيجة والأبواب المغلقة ، ولشدة الضيق بين الخيام المنصوبة ، ولإنشاء المراحيض قربها بالذات ، ولوجود الجمال ، ينشأ هناك جو مرهق جدّا . ومن الأفضل بكثير نصب الخيام فيما وراء منى ، حيث المكان أرحب وأنظف إلى ما لا قياس له .